هذه القصة مهداة إلى جيوش المادحين
وفد عامل بن مالكٍ ملاعب الأسنة، وكان يكنى أبا البراء، في رهطٍ من بني جعفر، ومعه لبيد بن ربيعة، ومالك بن جعفر، وعامر بن مالكٍ عم لبيد، على النعمان، فوجدوا عنده الربيع بن زيادٍ العبسي وأمه فاطمة بنت الخرشب، وكان الربيع نديماً للنعمان مع رجلٍ من تجار الشام يقال له زرجون بن توفيل ، وكان حريفاً للنعمان يبايعه ، وكان أديباً حسن الحديث والندام، فاستخفه النعمان، وكان إذا أراد أن يخلو على شرابه بعث إليه وإلى النطاسي: متطبب كان له، وإلى الربيع بن زياد فخلا بهم، فلما قدم الجعفريون كانوا يحضرون النعمان لحاجتهم، فإذا خرجوا من عنده خلا به الربيع فطعن فيهم وذكر معايبهم، وكانت بنو جعفر له أعداء ، فلم يزل بالنعمان حتى صده عنهم، فدخلوا عليه يوماً فرأوا منه جفاءً، وقد كان يكرمهم ويقربهم، فخرجوا غضاباً ولبيد متخلف في رحالهم يحفظ متعاعهم، ويغدوا بإبلهم كل صباحٍ يرعاها، فأتاهم ذات ليلةٍ وهم يتذكرون أمر الربيع، فسألهم عنه فكتموه، فقال: والله لا حفظت لكم متاعاً، ولا سرحت لكم بعيراً أو تخبروني فيم أنتم؟ وكانت أم لبيدٍ يتيمةً في حجر الربيع، فقالوا: خالك قد غلبنا على الملك وصد عنا وجهه. فقال لبيد: هل تقدرون على أن تجمعوا بيني وبينه فأزجره عنكم بقول ممض لا يلتفت إليه النعمان أبداً؟ فقالوا: وهل عندك شيء؟ قال: نعم.
قالوا: فإنا نبلوك. قال: وما ذاك؟ قالوا: تشتم هذه البقلة - وقدامهم بقلة دقيقة القضبان، قليلة الورق، لاصقة بالأرض، تدعى التربة - فقال: هذه التربة التي لا تذكي ناراً ولا تؤهل داراً، ولا وتسر جاراً، عودها ضئيل، وفرعها كليل، وخيرها قليل، أقبح البقول مرعى، وأقصرها فرعاً، وأشدها شاسع، وآكلها جائع، والمقيم عليها قانع، فالقوا بي أخا عبس، أرده عنكم بتعس، وأتركه من أمره في لبس. قالوا: نصبح ونرى فيك رأينا فقال عامر: انظروا إلى غلامكم هذا - يعني لبيداً - فإن رأيتموه نائماً فليس أمره بشيء، إنما هو يتكلم بما جاء على لسانه، وإن رأيتموه ساهراً فهو صاحبه. فرمقوه فوجدوه وقد ركب رحلاً وهو يكدم وسطه حتى أصبح، فقالوا: أنت والله صاحبه. فعمدوا إليه فحلقوا رأسه وتركوا ذؤابته، وألبسوه حلة ثم غدا معهم وأدخلوه على النعمان، فوجدوه يتغدى ومعه الربيع بن زيادٍ، وهما يأكلان لا ثالث لهما، والدار والمجالس مملوءة من الوفود، فلما فرغ من الغداء أذن للجعفريين فدخلوا عليه، وقد كان أمرهم تقارب، فذكروا الذي قدموا له من حاجتهم، فاعترض الربيع بن زياد في كلامهم، فقال لبيد في ذلك:
أكل يومٍ هامتي مقزعه ... يا رب هيجا هي خير من دعه
نحن بني أم البنين الأربعة ... سيوف حز وجفان مترعه
نحن خيار عامر بن صعصعة ... الضاربون الهام تحت الخيضعة
والمطمعون الجفنة المدعدعه ... مهلاً أبيت اللعن لا تأكل معه
إن ....... من برص ملمعه ... وإنه يدخل فيها إصبعه
يدخلها حتى يواري أشجعه ... كأنه يطلب شيئاً ضيعه
فرفع النعمان يده من الطعام وقال: خبثت والله علي طعامي يا غلام؛ وما رأيت كاليوم. فأقبل الربيع على النعمان فقال: كذب والله ابن الفاعلة ، ولقد فعلت بأمه كذا. فقال له لبيد: مثلك فعل ذلك بربيبة أهلة والقريبة من أهله، وإن أمي من نساءٍ لم يكن فواعل ما ذكرت. وقضى النعمان حوائج الجعفريين، ومضى من وقته وصرفهم، ومضى الربيع بن زياد إلى منزله من وقته، فبعث إليه النعمان بضعف ما كان يحبوه، وأمره بالانصراف إلى أهله، فكتب إليه الربيع: إني قد عرفت أنه قد وقع في صدرك ما قال لبيد، وإني لست بارحاً حتى تبعث إلي من يجردني فيعلم من حضرك من الناس أني لست كما قال لبيد. فأرسل إليه: إنك لست صانعاً بانتفائك مما قال لبيد شيئاً، ولا قادراً على رد ما زلت به الألسن، فالحق بأهلك. فلحق بأهله ثم أرسل إلى النعمان بأبيات شعر قالها، وهي:
لئن رحلت جمال لا إلى سعةٍ ... ما مثلها سعة عرضاً ولا طولا
بحيث لو وردت لخم بأجمعها ... لم يعدلوا ريشةً من ريش سمويلا
ترعى الروائم أحرار البقول بها ... لا مثل رعيكم ملحاً وغسويلا
فاثبت بأرضك بعدي واخل متكئاً ... مع النطاسي طوراً وابن توفيلا
فأجابه النعمان بقوله:
شرد برحلك عني حيث شئت ولا ... تكثر علي ودع عنك الأباطيلا
فقد ذكرت بشيءٍ لست ناسيه ... ما جاورت مصر أهل الشام والنيلا
فما انتفاؤك منه بعد ما جزعت ... هوج المطي به نحو ابن سمويلا
قد قيل ذلك إن حقا وإن كذباً ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا
فالحق بحيث رأيت الأرض واسعةً ..فانشر بها الطرف إن عرضاً وإن طولا