الحلقة (2)
انتهينا في الجزء السابق إلى أنه لا يمكن فهم سر تميز شخصية المهدي المنتظر والدور التاريخي الذي سيؤديه في ضوء المؤهلات العسكرية . إذ ما الذي يمكن أن يؤديه رجل يخرج ضمن وضع إسلامي متهالك دنيوياً وفي وقت يملك فيه الآخرون القنابل الذرية والهيدروجينية والصواريخ العابرة للقارات ؟!.
وحتى لو أغفلنا هذا التساؤل المنطقي فإن التساؤل لا بد أن يثور حول الأوضاع الداخلية للمسلمين ، إذ كيف يمكن بمؤهلات عسكرية جمع المسلمين وتوحيد كلمتهم ومواقفهم وتغيير أوضاع السلطات القائمة ؟!.
هل سيتم ذلك عن طريق الحروب ؟!.
وإذا كان ذلك سيحدث فما طبيعة الهداية التي هي أبرز ما يفترض أن يميز شخصية المهدي بينما يفترض بحسب المؤهلات العسكرية أن أهم ما لدى المهدي هو خوض الحروب المتصلة داخلياً وخارجياً ؟.
بحسب المؤهلات العسكرية هل ستمتلئ الدنيا قسطاً وعدلاً أم ستمتلئ حروباً ودماء ؟!.
البعض ممن لا يتحدثون عن المؤهلات العسكرية يتحدثون عن مؤهلات القيادة . والواقع أن هذه المؤهلات وإن كانت شرطاً في أي قائد إلا أنها لا تفسر الطابع الاستثنائي لشخصية المهدي المنتظر . ثم إن القائد الفذ من وجهة نظر أتباع المدرسة السلفية سيكون قائداً سيئاً من وجهة نظر الشيعة ومن وجهة نظر الأشاعرة ومن وجهة نظر المتصوفة ومن وجهة نظر الزيدية والإباضية ..... الخ . وسيكون قائداً أسوأ من وجهة نظر العلمانيين والليبراليين وغير المسلمين الذين يفترض بحسب ما ورد في الأحاديث أن يمتد تأثير المهدي إليهم بكل قوة .
إن أردنا أن ندرك سر تميز شخصية المهدي المنتظر فإن علينا أولاً أن نحدد أهم ما يفتقده المسلمون مما يمكن لرجل وحيد أن يقدمه . فما الذي يفتقده المسلمون ؟.
إنهم يفتقدون أولاً إلى وحدة الفكر ، ويفتقدون ثانياً إلى الدخول في العصر .
إنهم شيعة وسنة ، ثم شيعة إمامية وإسماعيليون وعلويون وزيدية ، وسلفيون ومتصوفة وأشاعرة وإباضيون ..... الخ .
كل هؤلاء يعودون إلى التاريخ ويستحضرون التراث البشري الموافق لانتماءاتهم ويضفون عليه مسحة من القداسة .
كل فريق من هؤلاء أيضاً يظن أنه على الحق وأن المهدي المنتظر سيظهر ليؤيد ويتبنى ما هم عليه . وهنا أهم قضية لا يرضاها الفرقاء . فلو كان المهدي سيظهر ليتبنى طرح أية فرقة لاستحقوا وصف المهديين المنتظرين ولما كان هنالك أي معنى أو مبرر لخلع هذا الوصف على رجل مقلد ، أو لكانت مهمته أقل وأهون من أن ترد في نبوءة وأقل وأهون من أن تغير الأوضاع على مستوى العالم . إذ طالما أن المهدي سيظهر ليؤيد ويتبنى طرح إحدى الفرق الإسلامية ، فما الجديد الذي يحمله ليوصف بأنه مهدي وما الجديد الذي سيقدمه ليغير الأوضاع ؟.
طالما أن ما سيقدمه المهدي هو ذاته ما تتبناه وتشيعه وتتبعه إحدى الفرق القائمة فأيهما أحق بوصف الهداية : هذا الرجل المقلد ، أم تلك الفرقة المبدعة التي سيكون المهدي مجرد متبع لفكرها وناطق باسم ما أبدعته ؟!
وإذا كان المهدي سيؤدي دوراً تاريخياً تتغير معه أوضاع العالم ، فكيف يمكن أن يؤدي ذلك الدور باستخدام فكر كان شائعاً ومتبوعاً من قبل إحدى الفرق دون أن تتمكن هذه الفرقة من إحداث تحول تاريخي إيجابي ؟
بل كيف يمكن – بموجب هذه الفرضية – أن تمتلئ الدنيا بالظلم والجور رغم وجود هذا الفكر الإنقاذي الذي سيكون المهدي مجرد متبع له ؟!
وهكذا ، فإن من الظنون الخاطئة لدى كل الفرق أن المهدي سيؤيد ويتبنى ما تسير عليه إحدى الفرق . هذا الظن يلغي تميز المهدي ولا يرشد إلى الوسيلة التي سيتمكن من خلالها من أداء الدور التاريخي الذي تشير إليه الأحاديث .
وإذا عدنا إلى أهم ما يفتقده المسلمون ، وهما وحدة الفكر والدخول إلى العصر ، وأدركنا أن تميز المهدي ودوره التاريخي لا يفسرهما ولا يتناسب معهما تبنيه لفكر إحدى الفرق ، فإن بإمكاننا التعرف على الوسيلة التي يمكن من خلالها لرجل أن ينجح في تغيير الأوضاع على مستوى العالم . هذه الوسيلة لن تكون ولا يمكن أن تكون غير وسيلة الفكر .
مهمة الإصلاح الكبرى – في تقديري – تتمثل في ظهور فكر يتجاوز ويتخطى الانقسامات المذهيبة الإسلامية . وهذه مهمة لا يمكن إنجازها إلا عبر إعادة تفسير الوحي بصورة تسمح بالتخلص من الانقسامات المذهيبة والدخول في العصر إلى أبعد مدى .
هذه هي الوسيلة التي يمكن لرجل مثل المهدي من خلالها أن ينجح في تغيير أوضاع المسلمين ، بل وينجح في تغيير أوضاع غيرهم .
وإذا صح ذلك فإن الفكر الذي أعتقد أن المهدي سيتبناه ويؤيده ويشيعه لابد أن يتسم بسمتين :
الأولى هي : تجاوز وتخطي فكر ومقولات كل الفرق الإسلامية والنجاح في الخروج من انقساماتها وانتزاع حججها وتنسيب وتحجيم مقولاتها ، وذلك عبر تقديم تفسير موحد ومتماسك للوحي يسمح بتوحيد الفكر والتفرقة الصارمة بين الوحي وبين التراث الذي تنهل منه كل الفرق وتبني عليه وترى الدنيا من خلاله وتنقله إلى غير زمانه وغير مكانه .
السمة الثانية هي : سمة العصرية أو الانطلاق من معطيات وأوضاع العصر . وهذه سمة لا مناص منها بالنسبة لأي فكر يراد له أداء دور تاريخي واستنهاض همم المسلمين وتمكينهم من التأثير الإيجابي والحي في مجتمعاتهم وفي العالم من حولهم . ولا شك أن هذه السمة هي أبرز السمات التي يفتقدها الفكر الإسلامي السائد .
فلنفترض أن بالإمكان تقديم فكر يتسم بهاتين السمتين ( تجاوز فكر ومقولات كل الفرق ، والالتحام بالعصر ) فما هي أبرز الصعوبات التي يمكن أن تقف في وجه بروز وشيوع وانتشار مثل هذا الفكر ؟!
إنهما الثقافتان المتناقضتان والمكتسحتان للساحة والمتغلغلتان في العقول والقلوب وهما : الثقافة السلفية في اللحظة الراهنة ، والثقافة الغربية في آخر أطوارها وأحدث حللها .
سنرى كيف وبأية وسيلة سيتمكن المهدي من تجاوز هاتين العقبتين . ولنتذكر أن المهدي بموجب الأحاديث سيظهر في أواخر فتنة المسيح الدجال وأواخر فتنة قرن الشيطان ، وسيعايشهما !!
لاحقا نواصل الطرح،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،